تشهد العلاقات بين سوريا وتركيا تطورات استراتيجية معقدة في ظل مرحلة ما بعد الحرب، حيث تعمل كلا الدولتين على تعزيز التعاون في مجالات متعددة تشمل الأمن، الاقتصاد، الطاقة، التعليم، الصحة، وإعادة الإعمار. وتتسم المرحلة الحالية بأنها أكثر حساسية مقارنة بالفترات السابقة، نظراً للتحديات الإقليمية المتشابكة، والتغيرات في موازين القوى في المنطقة.
أولويات التعاون العسكري والأمني
تظل الأولوية القصوى للعلاقات السورية التركية ترتكز على المجال العسكري والأمني، وهو ما يفسر التركيز الكبير على تدريب وتأهيل الجيش السوري، وتعزيز التعاون ضد التهديدات الإرهابية. وفق وكالة رويترز، يتلقى أكثر من 5000 جندي سوري تدريبات ميدانية متقدمة في تركيا، بينما يدرس أكثر من 500 ضابط سوري في الكليات العسكرية التركية. وتهدف هذه البرامج إلى بناء قدرات الجيش السوري وتعزيز جاهزيته للتعامل مع التهديدات الإقليمية والأمنية، بما في ذلك فلول تنظيم الدولة الإسلامية ومجموعات مسلحة أخرى تسعى لزعزعة الاستقرار.
تدرس أنقرة ودمشق إمكانية إنشاء قواعد دفاع جوي في مناطق مركزية بسوريا لحماية الأجواء السورية من أي تهديد خارجي، وهو ما يوضح تنسيق الجهود الأمنية بين البلدين على أعلى المستويات. كما تسعى تركيا إلى تطوير آليات التعاون العسكري مع دمشق، تشمل تزويد الجيش السوري بمعدات متقدمة، وتنظيم برامج تدريبية مشتركة، إضافة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية، مما يعكس رغبة مشتركة في بناء شراكة أمنية طويلة المدى.
ملف شرق الفرات وميليشيا قسد
يشكل شرق الفرات وتواجد ميليشيا قسد المدعومة أمريكيًا أحد أبرز التحديات الأمنية. تحاول دمشق وأنقرة معالجة هذا الملف من خلال حلول مركبة تجمع بين الضغط السياسي والعسكري والمفاوضات، بهدف إعادة توحيد الأراضي السورية. وتعتمد الاستراتيجية الحالية على إيجاد توازن بين تقديم “الحوافز” السياسية لقسد وحثها على الانسحاب أو التفاهم مع الدولة السورية، مع الاحتفاظ بخيار التدخل العسكري كأداة ضغط إذا فشلت المفاوضات.
في الوقت نفسه، يسعى الطرفان إلى إقامة تحالف إقليمي يضم سوريا وتركيا والعراق والأردن لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب. ويهدف هذا التحالف إلى خلق آلية مشتركة لمتابعة التحركات الإرهابية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق العمليات العسكرية، بما يعزز الأمن الإقليمي ويحد من قدرة التنظيمات الإرهابية على إعادة ترتيب صفوفها.
التعاون في مجال مكافحة الإرهاب
تستمر جهود تركيا وسوريا في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، خاصة في مناطق البادية السورية ورقة التنظيم المتبقية في محافظة الرقة والمناطق المحيطة بها. ويأتي هذا في سياق رغبة أنقرة في تقليص نفوذ التنظيمات الإرهابية، وضمان استقرار الحدود المشتركة مع سوريا. كما يشمل التعاون تقديم الدعم اللوجستي والمخابراتي، وتنسيق العمليات العسكرية مع الجيش السوري والقوات المحلية في شمال البلاد، ما يعكس رغبة الطرفين في توسيع نطاق الاستقرار والأمن في المنطقة.
التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار
تعتبر العلاقات الاقتصادية أحد المحاور الأساسية التي تهدف دمشق وأنقرة لتعزيزها في المرحلة القادمة. يلعب وجود أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري في تركيا دورًا محوريًا في الاقتصاد التركي، سواء من خلال العمالة أو الاستثمار. كما دخل عدد من المستثمرين السوريين الأسواق التركية وأسهموا في الصناعات المحلية، بينما تلعب المدن الصناعية في الشمال السوري، التي تأسست بالتعاون مع تركيا، دورًا في تدوير عجلة الإنتاج وإعادة تأهيل البنية التحتية بعد سنوات الحرب.
من المتوقع أن يشكل الطريق الدولي “إم 5” الواصل بين معبر باب السلامة على الحدود التركية السورية ومعبر نصيب الحدودي مع الأردن محورًا استراتيجيًا للتبادل التجاري بين سوريا ودول الخليج وتركيا. ويمثل هذا الطريق فرصة لتعزيز التجارة البينية، وتقليل الاعتماد على الطرق التقليدية الطويلة، وتوفير الوقت وتخفيف تكلفة النقل للبضائع التجارية.
كما تسعى تركيا عبر شركات الإنشاءات المحلية لدخول مشاريع إعادة الإعمار في سوريا بمجرد رفع العقوبات الاقتصادية. وستشمل هذه المشاريع البنية التحتية للمدن، المدارس، المستشفيات، والمرافق العامة، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحريك عجلة الاقتصاد الداخلي.
الطاقة والمشاريع الاستراتيجية
يعد قطاع الطاقة أحد المحاور الحيوية في التعاون السوري التركي. يبرز خط الغاز القطري التركي الذي يمر عبر السعودية والأردن وسوريا ويصل إلى تركيا كأحد المشروعات الرئيسية في المنطقة. يسعى المشروع إلى ربط مصادر الطاقة القطرية بأسواق الطاقة الأوروبية، عبر سوريا وتركيا، مما يعزز أهمية سوريا كممر استراتيجي للطاقة.
إضافة إلى ذلك، تشكل مشاريع الطاقة المتجددة في الشمال السوري والتعاون في مجال الكهرباء وتحسين البنية التحتية جزءًا من خطة مشتركة لدعم التنمية الاقتصادية، وتأمين الموارد الحيوية للسكان المحليين والنازحين، مع تقليل الاعتماد على المصادر التقليدية والطاقة المستوردة.
التعليم والصحة
تركز دمشق وأنقرة أيضًا على التعاون في مجال التعليم، حيث يتم توفير برامج تدريبية مشتركة للمعلمين وأعضاء الكادر التعليمي السوري، مع توفير منح دراسية في الجامعات والكليات التركية. ويهدف هذا التعاون إلى رفع مستوى الكفاءة التعليمية في سوريا، وتوفير كوادر قادرة على إدارة قطاع التعليم بما يتناسب مع احتياجات إعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
في مجال الصحة، يسعى الطرفان إلى دعم المستشفيات السورية عبر توفير المعدات الطبية، تدريب الأطباء والممرضين، وتأهيل المراكز الصحية لتقديم خدمات متقدمة للمواطنين. وتعتبر هذه الخطوة جزءًا من خطة شاملة لتحسين جودة الخدمات الصحية في المناطق المتضررة من الحرب، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحد من تأثير النزاعات السابقة على البنية التحتية الصحية.
التحديات الإقليمية والدولية
رغم الانفتاح الكبير على الشراكة، تواجه العلاقات السورية التركية تحديات عدة، أبرزها العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، التي تحد من قدرة الطرفين على تنفيذ مشاريع اقتصادية كبرى بسرعة، بالإضافة إلى التأثيرات السياسية الأمريكية والغربية في المنطقة. كما أن الملف الأمني في شمال شرقي سوريا ووجود قوات قسد المدعومة من واشنطن يمثل تحديًا مستمرًا يستوجب معالجة دقيقة.
إضافة إلى ذلك، هناك مخاوف من تحول سوريا إلى ساحة تنافس عربي تركي، خاصة في حال فشل التنسيق بين دمشق وأنقرة في إدارة الملفات الإقليمية، أو استغلال قوى إقليمية أخرى للفراغ الجيوسياسي المتبقي بعد الانكفاء الإيراني.
الرؤية المستقبلية
تبدو المرحلة القادمة حاسمة في إعادة رسم العلاقات السورية التركية على أسس استراتيجية، تشمل:
- تعزيز التعاون العسكري والأمني، وتوسيع برامج التدريب المشترك للقوات السورية.
- دعم إنشاء تحالف إقليمي لمكافحة الإرهاب يضم سوريا وتركيا والأردن والعراق.
- دفع ملف إعادة الإعمار واستثمار الفرص الاقتصادية، بما يشمل تطوير الطرق والمشاريع الصناعية والتجارية.
- تطوير قطاع الطاقة، بما في ذلك الغاز والنفط والطاقة المتجددة، وربط سوريا بالممرات الإقليمية للطاقة.
- تحسين التعليم والصحة لتأهيل البنية البشرية والمؤسساتية اللازمة لإدارة الدولة بعد الحرب.
- إدارة التحديات الإقليمية والدولية، خاصة ملف قسد والعقوبات، لضمان استقرار كامل ومناخ آمن للاستثمار والتنمية.
إن العلاقة بين دمشق وأنقرة تبدو اليوم على مسار شراكة متعددة الأبعاد، تهدف إلى تحقيق الاستقرار والأمن، وتعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي، وضمان دور سوري فعال في إعادة ترتيب الموازين الإقليمية. وفي ظل هذه الرؤية، يمكن للمرحلة القادمة أن تشهد انطلاقة نوعية في بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تحمي مصالح البلدين، وتدعم إعادة سوريا إلى مكانتها الطبيعية على المستويين الإقليمي والدولي.

إرسال تعليق