لم تعد الأسئلة المرتبطة بمستقبل سوريا تقتصر على مآلات الصراع الداخلي وحده، بل أصبحت تمتد إلى شكل التموضع السياسي الإقليمي والدولي الذي ستتخذه البلاد في المرحلة اللاحقة. فالحرب التي استمرت لأكثر من اثني عشر عاماً لم تترك آثاراً مادية واقتصادية فحسب، بل أعادت تشكيل المجتمع السوري، ورسمت خريطة جديدة للقوى الفاعلة محلياً وإقليمياً. واليوم، ومع تراجع وتيرة العمليات العسكرية في معظم الجغرافيا، تتجه الأنظار إلى السؤال الأكثر تعقيداً: ماذا ينتظر سوريا بعد انتهاء الحرب، وكيف يمكن قراءة مستقبلها في ظل التغيرات العميقة التي تشهدها المنطقة والعالم.
من الواضح أن المشهد السوري لم يعد محكوماً بالعوامل الداخلية فقط، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية تتداخل فيها مصالح دول كبرى مثل روسيا والولايات المتحدة والصين، إلى جانب دول إقليمية لها ارتباط مباشر بالساحة السورية، مثل تركيا وإيران والسعودية وقطر والعراق والأردن. وتدل التطورات الأخيرة، مثل عودة التواصل الدبلوماسي بين دمشق وعدد من العواصم العربية، على انتقال الصراع من مرحلة المعارك العسكرية إلى مرحلة التفاوض السياسي ومحاولة تثبيت النفوذ.
المعادلة الحالية تشير إلى أن سوريا لم تعد قابلة للعودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، لكن هذا لا يعني استحالة استعادة الدولة لوحدتها السياسية. بل إن المسار الأقرب للحدوث هو عملية إعادة ترتيب تدريجي لمراكز القوى ضمن إطار سياسي جديد يعترف بالتوازنات التي أفرزها الواقع.
ويبدو أن الملف الأمني سيبقى في مقدمة الملفات ذات الأولوية، سواء من ناحية ضبط الحدود أو التعامل مع انتشار السلاح أو إعادة دمج الفصائل المختلفة ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية. وقد أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن الحلول الأمنية وحدها غير كافية، وأن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى تسوية سياسية تشمل مختلف الأطراف، وتضمن الحد الأدنى من الحقوق والضمانات.
على الصعيد الاقتصادي، تبدو التحديات أكثر تعقيداً. فالبنية التحتية لعدد كبير من المحافظات تعرضت لتدمير واسع، كما أن القدرة الإنتاجية للبلاد تراجعت، إضافة إلى خروج العديد من مناطق الثروات من السيطرة المركزية لفترات طويلة. ومن المتوقع أن يشكل ملف إعادة الإعمار محوراً رئيسياً في المرحلة المقبلة، لكنه مرتبط بشروط سياسية واقتصادية يتنافس على صياغتها اللاعبون الدوليون.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الدول التي شاركت في دعم الأطراف خلال الحرب ستسعى إلى الحصول على حصص اقتصادية في مشاريع الطاقة والإعمار والنقل والمرافئ. وسيكون على سوريا إدارة هذا الملف بحذر لضمان عدم تحول الاقتصاد إلى ساحة نفوذ طويلة المدى.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن أحد أكبر التحديات يتمثل في معالجة آثار الانقسام المجتمعي وإعادة بناء الثقة بين فئات الشعب. فقد شهدت البلاد موجات تهجير واسعة شملت ملايين السوريين داخل وخارج الحدود، وتعرضت الروابط الاجتماعية لتصدعات عميقة. إن إعادة اللحمة الاجتماعية ليست مجرد عملية خطابية، بل مسار طويل يتطلب خلق بيئة تعيد للمواطن شعوره بالأمان والاستقرار، وتعزز العدالة، وتفتح المجال أمام آليات حقيقية للمحاسبة والمصالحة. ويُتوقع أن تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً محورياً في هذه العملية، إلى جانب المؤسسات الرسمية.
على الصعيد الإقليمي، تبدو سوريا أمام فرصة لإعادة صياغة علاقاتها وفق رؤية جديدة تقوم على مبدأ التوازن بدلاً من الاصطفاف. فقد بدأت بوادر التحول تظهر في العلاقات مع عدد من الدول العربية، وهو ما يمكن أن يعزز فرص التكامل الاقتصادي وفتح الأسواق وإعادة الروابط الثقافية والاجتماعية.
كما أن التقارب المحتمل بين تركيا وسوريا، إذا ما تحقق، سيشكل نقطة تحول استراتيجية بالنظر إلى حجم الملفات المشتركة، وعلى رأسها ملف الحدود وملف الشمال السوري وملف عودة اللاجئين. ومن المتوقع أن تتأثر هذه العلاقات بسير المباحثات السياسية التي ترعاها قوى دولية في أكثر من مسار.
الملف الأكثر حساسية في المشهد السوري هو ملف اللاجئين. فعودة ملايين السوريين إلى بلادهم لا تعتمد فقط على الاستقرار الأمني، بل على توفير فرص العمل والخدمات الأساسية والضمانات القانونية. وقد أظهرت تجارب دول أخرى أن العودة الجماعية لا تحدث دون رؤية اقتصادية متكاملة، وهو ما يتطلب خطة وطنية شاملة تستند إلى برنامج اقتصادي واضح يحدد الأولويات ويطلق سوق العمل من جديد بما يتناسب مع احتياجات الشباب.
في المحصلة، يمكن القول إن مستقبل سوريا بعد الحرب سيعتمد على قدرة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي على التكيف مع الواقع الجديد، وعلى مدى نجاحه في بناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية. ورغم صعوبة التحديات، فإن المؤشرات الحالية تُظهر أن البلاد بدأت تدخل مرحلة جديدة أقل صخباً وأكثر حساسية، مرحلة تتطلب هدوءاً ووعياً في إدارة الملفات واستشرافاً عميقاً لمصالح الدولة على المدى الطويل.
إن ما ينتظر سوريا ليس مجرد إعادة إعمار الحجر، بل إعادة بناء الإنسان والعلاقة بينه وبين الدولة، واستعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وفتح الطريق نحو مرحلة سياسية واقتصادية أكثر استقراراً. وقد يكون الطريق طويلاً، لكنه ليس مستحيلاً إذا ما توفرت الإرادة الوطنية والرؤية الواضحة والقدرة على إدارة التحولات دون إقصاء أو تجاهل لحقيقة التنوع السوري.

إرسال تعليق